إعادة إحياء الأرض: مسار لشفاء كوكبنا
-
5 سبتمبر 2025
-
Statement
-
Land Degradation Neutrality
بقلم: ياسمين فؤاد، الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر
غالبًا ما يُصوَّر الانتقال العالمي في مجال الطاقة على أنه تحدٍ معقد ومكلف وملحّ. لكن هذه النظرة لا تعكس الصورة الكاملة. ماذا لو كانت هذه التحوّلات الكبرى تمثل واحدة من أعظم الفرص في عصرنا لإصلاح كوكبنا؟ إنها فرصة لا لتغيير الطريقة التي نولّد بها الطاقة فحسب، بل أيضًا لإحياء الأرض نفسها، ومعالجة الأزمات المترابطة من منبعها، والمتمثلة في تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وانعدام الأمن الغذائي.
لقد شاهدت ذلك بنفسي هذا الأسبوع في مدينة إيشفايلر بألمانيا. على مدى أجيال، كانت هذه المنطقة معروفة بآلات مناجم "هامباخ" الضخمة، التي تمتد على مساحة 85 كيلومترًا مربعًا (ما يعادل تقريبًا مساحة جزيرة مانهاتن) وتغوص حتى 400 متر (أي ما يعادل نصف ارتفاع برج خليفة، أطول مبنى في العالم). لقدزرت هذا الموقع الذي كان في الماضي منجمًا مفتوحًا برفقة وفد من البرلمانيين من مختلف أنحاء العالم ضمن "أكاديمية صنّاع التغيير العالمية". اليوم، وبفضل جهد دؤوب استمر لعقود، يجري تحويل المشهد إلى ما يمكنني وصفه بـ "الأرض الصديقة": نظام بيئي ينبع بالحياة، وُلد من جرح صناعي. ومن المقرر أن يتحول هذا الحوض الهائل بحلول عام 2029 إلى ثاني أكبر بحيرة في ألمانيا.
إنّ ما يحدث في إيشفايلر ليس مجرد "قصة جميلة"، بل تجربة ملموسة وملهمة. إنه نموذج حيّ لما يمكن أن يتحقق حين تلتقي الاستثمارات مع التكنولوجيا، والقانون مع الحوار المجتمعي. كما أن مشروع إيشفايلر هو أيضًا مثال معقد لانتقال عادل، يعترف بسنوات التهجير البيئي والاجتماعي التي سبقت عملية الاستصلاح. وأبرز ما استوقفنا في هذه الزيارة لم يكن في التربة أو الأشجار المزروعة حديثًا، بل وجدناه هو القانون والبشر.
فالاستصلاح المذهل الذي شهدناه لم يكن وليد حسن نية الشركات، بل ثمرة إطار تشريعي متين: "قانون الاتحاد الفدرالي لاستخراج المعادن" في ألمانيا. هذا القانون يكرّس مبدأ أساسيًا: "من يستفيد من استخراج الموارد هو المسؤول عن إعادة تأهيل الأرض بعد ذلك." كما يُلزم الشركات بتقديم خطط استصلاح علمية ومفصلة للموافقة عليها قبل البدء بأي عملية حفر. إنه إطار قانوني يضع النهاية في الحسبان منذ البداية. وقد تحقق النجاح لأن القانون فرض ذلك، واضعًا معايير طموحة تضمن إعادة الأرض إلى الناس بحالة صحية ومنتجة وغنية بالتنوع البيولوجي.
هذا هو النموذج الذي يجب أن ننقله من إيشفايلر إلى بقية العالم. بالنسبة مع البرلمانيين المرافقين، كان هذا هو الدرس الأبرز. فرغم أن التقنيات أو الموارد المالية لهذا المشروع "الفاخر" قد لا تكون قابلة للتطبيق في كل مكان، إلا أن مبدأ وجود سياسات قوية وقابلة للتنفيذ هو مبدأ عالمي. فالمشرّعون هم المهندسون الحقيقيون لهذا التغيير.
على مدى ثلاثة عقود، عالج المجتمع الدولي التحديات الكبرى لكوكبنا من خلال ثلاث اتفاقيات مترابطة، انبثقت من قمة الأرض في ريو. وغالبًا ما جرى التعامل مع هذه الاتفاقيات بشكل منفصل. لكن مشروع إيشفايلر أظهر لنا أن العمل الميداني هو ما يولّد التعاون البنّاء الذي نحتاجه. هنا، يصبح استصلاح الأراضي المسار العملي الموحد الذي يمكّننا به مواجهة تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتصحر في آنٍ واحد.
فالتربة الصحية والنظم البيئية المزدهرة تشكل أحواضًا كربونية قوية تمتص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. والأراضي المستصلحة تصبح أفضل خط دفاع لنا ضد صدمات المناخ، إذ تعمل كالإسفنج الطبيعي: تمتص مياه الفيضانات وتحتفظ بالرطوبة خلال الجفاف. وفي الوقت ذاته، يعدّ الاستصلاح محرّكًا لعودة التنوع البيولوجي، فمن خلال إعادة بناء التربة السليمة واستعادة الدورات الهيدرولوجية، نضع الأساس للحياة. كما تمهّد زراعة النباتات المحلية الطريق لعودة الملقّحات والحشرات والطيور والثدييات، ليتحول المشهد القاحل إلى نسيج حيّ معقد ومترابط.
رحلتي بدأت محليًا في إيشفايلر لكنها ستصل للعالم. كانت هذه أول زيارة ميدانية لي كأمينة تنفيذية، وجاءت كإعلان واضح للنوايا: أنا هنا من أجل الأرض. ومشاهدتي لهذا الاستصلاح على أرض الواقع، برفقة هؤلاء المشرّعين الملتزمين، عززت قناعتي. رسالتي لهم وللقادة في كل مكان هي: "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر تقف على أهبة الاستعداد لتكون شريككم على الأرض. سنأتي إلى بلدانكم، ونسير في أراضيكم، ونعمل معكم على صياغة متمحورة حول الإنسان تعيد الحياة إلى أراضيكم
Publications
Strong, sustainable, and resilient urban-rural linkages are central to efforts to combat land degradation, reduce out-migration, and achieve other sustainable development…